Fr

أمينة ..قصة أم تحدت مرض التوحد وحولت معاناتها إلى رسالة مدوية للمجتمع

أمينة ..قصة أم تحدت  مرض التوحد وحولت معاناتها إلى رسالة مدوية للمجتمع
هناك من يأتي إلى هذا العالم فيجد الطريق أمامه مفتوحا ناعما، وهناك من يأتي فيجد الطريق شائكا صعبا كما حال أطفال التوحد . أطفال خرجوا من ظلمات المجهول إلى عالم غير مستعد لتقبلهم ..عالم لا يستطيع إخفاء معالم قسوته عليهم  فيواجهون بعدم التقبل ، بالشفقة، والاستعلاء أحيانا وكأن الذي أصابه مرض يصبح غريبا عنا وأما المرض فلن يصيبنا بالضرورة . بعض العائلات لا تستطيع التعايش مع أن هناك طفلا مريضا، لظنهم أنه لا يمكن التباهي به. بعضهم يعتبر الأمر مخجلا، ويخفونه كخطيئة يسعون  جاهدين إلى كتمها وكأنه إثم وجب ستره ،ذلك لأن الانسان يخاف مما لا يعرف، فيجهله "والإنسان عدو ما يجهل " . التوحد (أو الذاتوية - Autism) هو من بين الأمراض التي تحتاج إلى عناية خاصة جدا، لأن حالة المصابين به تتعلق بنمو الأعصاب ما يؤثر على تطور وسرعة نتائج النمو، الإصابة ناتجة عن اضطراب في الجهاز العصبي يؤثر على وظيفة الدفاع عند الأطفال وهو اضطراب متزامن  مع الطفل من لحظة حياته إلى وفاته، وليس له أي علاج . وبالرغم من اختلاف خطورة وأعراض مرض التوحد من حالة إلى أخرى، إلا أن جميع اضطرابات الذاتوية تؤثر على قدرة الطفل على الاتصال مع المحيطين به وتطوير علاقات متبادلة معهم الشيء الذي يصعب عملية الاندماج داخل المجتمع. اختلفت الدراسات في تحديد أسباب الإصابة بطيف التوحد غير أن الاتجاه السائد يميل إلى ترجيح العامل البيولوجي كعامل رئيسي فيه. الطفل المصاب بطيف التوحد لديه قصور في التواصل من ناحية اللغة والتعاطي والمهارات، ولديه قصور في الانتباه والتركيز والتذكر والادراك وفي التفاعل الاجتماعي والانتماء، وقصور في مراعاة  معايير الأمان، وكثيرا ما يحدث أن يضطر مصابوا اضطرابات طيف التوحد إلى اللجوء إلى سلوكيات عدوانية ومدمرة، أو إيذاء النفس ، حدة المزاج، والصراخ، وليس هذا الأمر غربيا أو مفاجئا نظرا لعدم قدرة الطفل على التعبير عن نفسه بشكل ملائم بالوسائل المعتادة ما يعني أن الطفل المصاب بالمرض لا يمكن أن يترك وحيدا، ولا يمكن ألا يفهم مع أنه من الصعب جدا أن يفهم . أفضل المعالجين أمي .. في مقابل العائلات التي لا تتقبل أطفالها المصابين بمرض التوحد، هناك من يقدم الحب والاهتمام لهم، ويعطيهم الوقت والفرصة للتعبير عن وجودهم. السيدة المغربية أمينة من مدينة مراكش، من النماذج التي تدرس في علوم الحب والتضحية والأمومة. حكايتها تحولت من معاناة إلى رسالة مدوية للمجتمع، وللأهل الذين لديهم أطفال مصابون بالتوحد أو من ذوي الاحتياجات الخاصة. أمينة لم تستسلم لمرض ابنها، غلبته وغلبته، قدمت لإلياس كل أنواع العطاء الممزوج بالمعرفة. تقول أمينة ل Saha.ma " بدأت رحلتي مع التوحد بالسعي الحثيث لاستحصال تشخيص دقيق للحالة التي حيرت عددا كبيرا من الأطباء، الذين وافقوني على إحساسي بأن سلوك إبني يستدعي القلق ويستوجب التقويم " . بين تطمينات بعض الأطباء وتحذيرات آخرين استهلكت الحيرة كامل طاقة أمينة الجسدية والنفسية فكان لا بد لها أن تقصر في دورها كأم وزوجة وأخت وصديقة. تقول أمينة أنها اضطرت في كثير من الأحيان إلى التنقل بين مدينة مراكش المدينة التي تقطن بها ومدن أخرى كالدار البيضاء والرباط ، ووجدت نفسها مرغمة على تحمل كلام بعض الأشخاص المنتصرين لمعتقدات لا أساس لها من العقل وذلك كي يتلقى إبنها العلاج المناسب في المرحلة الأنسب من أطوار نموه. حين أصبحت القوة خيارها الوحيد .. بعد مرحلة التشخيص وصلت أمينة وزوجها إلى مرحلة التقبل، وهي بلا شك المحطة الأهم في رحلة التوحد فلا طائل من المسميات ولا فائدة من معرفتهم بالمصاب دون أن تتوفر لهم وسائل الدعم وخطة واضحة للعلاج . تمسكت أمينة بالأمل تمسك الغريق بطوق النجاة لم يعد يهمها شيء سوى أن ينال ابنها فرصة تعليم مساوية وأن يلتحق بمؤسسات تربوية ترحب بحالته ولا ترفض اختلافه. تقول أمينة أن المسألة لم تكن سهلة أبدا،  فعلى الرغم من تقبل فكرة الدمج في بعض المدارس التي بالكاد تكون مهيأة لاستقبال مثل تلك الحالات، إلا أن العقبات والتحديات وخاصة تلك التي تكون مرتبطة بالنظرة الاجتماعية للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، تقف لنا عند كل منعطف لذلك قررت أن أكون مرافقة إبني، أحيطه بالحب، وأهيئ له بيئة حاضنة في البيت والعائلة والمدرسة والملعب" . معاناة غائبة عن عيون المسؤولين  وللتخفيف من معاناة أطفال التوحد وذويهم تطالب أمينة بتوحيد جهود وزارة الصحة لتقديم الرعاية اللازمة لهذه الفئة المهمشة، فبالرغم من معاناة مئات العائلات بسبب إصابة أبنائها بالتوحد وارتفاع مصاريف العناية بهم في مراكز خاصة لا يوجد برنامج وطني يعنى برعاية أطفال التوحد رغم توسع انتشار نطاق المرض مشيرة إلى أن المراكز الخاصة لرعاية الأطفال تحولت في غفلة من الزمن إلى مصادر للربح والجشع على حساب مسألة إنسانية ." أغلبية المراكز اللي متوفرة كطلب منك مبلغ معين باش ولدك يستافد فمثلا بالنسبة للترويض كيتراوح الثمن ديالو من 200 درهم إلى 300 درهم لكل نصف ساعة فقط ". مشاركة المعاناة تخفف وطأها لطالما كان حلم كل إنسان أن يرى في ابنه ما عجز أن يحققه، لكن في تلك اللحظة التي يدرك فيها الأهل أن في فلذات أكبادهم عيب أو نقص تختلط عليهم المشاعر بين اليأس والإحباط والخجل، لكن أمينة قررت عكس ذلك فكسرت حاجز الصمت نابذة الوصمة التي يوصم بها كل أبوين ينجبان طفلا مريضا بطيف التوحد فرحلتها هذه كانت خيارها الوحيد للمضي قدما . تقول أمينة ل Saha.ma  أنها سعت إلى مشاركة تجربتها مع أمهات أخريات في محاولة منها لانتشال غيرها من ظلمات الحيرة والشك حينا آخر." حاولت نختصر طريق المعاناة على بعض الأمهات اللي كيطلبو مني نصائح أو رقم هاتف طبيب ماهر، تشاركت معاهم الخبرات وتبادلنا الأفكار والهموم ، حسيت بأنني ماشي بوحدي " وأضافت " يبقى أن أتمنى ، كأم وكإنسانة أن يبصر العالم الاختلاف بعين العطف والرأفة، وأن تولى هذه الشريحة من ذوي الحقوق مزيدا من الاهتمام الذي من شأنه أن يحميها من التهميش" . "ولدي هو الأول" بهذه العبارة تقبلت أمينة إبنها إلياس كإبن وكإنسان، وهي أجابت على سؤال الحياة الأزلي من هي الأم؟ هل هي التي تلد فحسب فتعطيها البيولوجيا وسام الأمومة أم هي أمينة ؟.

لا يوجد أي تعليق

اترك تعليقا