Fr

الانفلونزا خلال جائحة كورونا: الحد من أخطار مُضاعَفَة

الانفلونزا خلال جائحة كورونا: الحد من أخطار مُضاعَفَة
من المتوقع أن يتسبب تلاقي توأم وباء الانفلونزا الموسمية وبعض الامراض التنفسية الاخرى مع جائحة كورونا في تعقيد الوضعية الوبائية المرتبطة بكوفيد المرشحة للتأزم أكثر من حيث اعداد الاصابات الجديدة يوميا او الحالات الخطرة واعداد الوفيات.
فنحن مقبلون على الفصل البارد الذي من المنتظر ان يعرف خلاله النصف الشمالي من الكرة الارضية موجة ثانية من جائحة كوفيد 19 من المتوقع أن تكون أكثر قوة في الارقام وطولا في المدة الزمنية مقارنة بالموجة الاولى، وان كان لا نعرف اليوم درجة خطورتها هل اقل او أكثر او هي نفسها
الدراسات، التي سنستعرض بعضها، أَظهرت ان الانفلونزا قد تزيد تفشي كوفيد 19 وقوة اختطاره. اللقاح ضد الأنفلونزا الموسمية الذي ستوفره بلادنا على نطاق واسع ولبعض الفئات الهشة مجانا اجراء مهم ووقائي، كما أن الاجراءات الحاجزية ضد كوفيد تحمي ضد الاخير وتحمي ضد الانفلونزا نفسها والامراض التنفسية المعدية الاخرى. بجانب تحديات واجراءات اخرى نفصل فيها في هدا المقال. هكذا سيؤثر انتشار الانفلونزا الموسمية على تطور كوفيد وجهود احتواءه:
  1. أخطار مُضاعَفة: الانفلونزا الموسمية التي تبدو مرضا حميدا تقتل كل سنة ما بين 300 و650 ألف انسان سنويا عبر العالم حسب قوة الفيروسات التي تختلف حسب السنوات، وتهم أساسا المسنين والامراض المزمنة، النساء الحوامل، وكدا الأطفال اقل من خمس سنوات. لذلك فان انتشار وباءين معا في نفس الوقت ـ لهما خطورة على عدد من الفئات والشرائح الاجتماعية المشتركة ـ سيجعل أعداد الإصابات الخطرة مضاعفة وكذلك الوفيات. وسيكون من الصعب على العديد تحمل الإصابة بكوفيد والانفلونزا الموسمية الواحدة تلو الأخرى او هما معا.
  2. ضغط على الأنظمة الصحية: اغلبية الدول اتخذت في بداية جائحة كورونا إجراءات قوية للتحكم في وباء كوفيد حتى لا تتعدى الإصابات الخطرة مقدرات الانظمة الصحية. لكن تلاقي الوباءين بالإضافة لأمراض تنفسية أخرى في نفس الوقت، سيشكل ضغطا كبيرا على الأنظمة الصحية من اطر بشرية ومستشفيات ومراكز ومختبرات التشخيص... واحتمال انهيار عدد من الأنظمة الصحية تحت وطأة هده الإصابات المجتمعة أضحى أكثر احتمالا.
  3. استنزاف وسائل وأطقم التشخيص: تشابه أعراض المرضَين كالحمى والسعال الجاف وآلام الرأس والعضلات والإرهاق .... سيضاعف الضغط على الكشوفات والتحاليل المخصصة لكوفيد 19 للتفريق بين المرضين، علما ان قدرة بلادنا على الكشف اليومي لكوفيد 19 حاليا محدودة في حوالي 22 ألف كشف كمعدل يومي. هده القدرة المحدودة هي أصلا أحد اسباب تسارع وباء كوفيد بسبب التأخر في التشخيص والعزل وتتبع المخالطين. بسبب تقاسمها مستقبلا مع حالات الانفلونزا الموسمية لتشابه الاعراض قد يساهم دلك في تأخر أكثر في الكشف وتسارع أكبر للوباء.
  4. الانفلونزا تزيد تفشي كوفيد والحالات الخطرة:
  • اظهرت دراسات طبية ان الاصابة بالأنفلونزا ينتج عنه زيادة انتاج مستقبلات الفيروس التاجي في الخلايا الرئوية في جسم الانسان، أي انها تقوم بتسريع دخول الفيروس التاجي للجسم.
  • أظهرت دراسة نشرت قبل اسبوعين، وهي الان تحت الدرس والتدقيق من طرف باحثين آخرين، اجريت بطريقة النمذجة الرياضية Modélisation mathématique أُدخِلَت خلالها المعطيات المتوفرة عن اصابات كوفيد بكل من اسبانيا وايطاليا وبلجيكا والنرويج، أن الانفلونزا الموسمية تضاعف تفشي فيروس كرونا مرتان الى مرتين ونصف. واعطت الدراسة نفس ارقام الوفيات المتوقعة رياضيا مع اعداد الوفيات المسجلة واقعيا مما يؤشر على قوة توقعاتها.
  • أظهرت الدراسة كذلك ان اعداد الوفيات بسبب كوفيد بإيطاليا كانت أكبر لدى الأشخاص الغير مُلقَحين ضد الانفلونزا مقارنة بالدين استفادوا من التلقيح.
  • أظهرت دراسة أمريكية أجريت على 11700 شخص استفادوا من تحاليل كوفيد ان الإصابة كانت أكثر لذى غير المُلقَحين ضد الانفلونزا الموسمية مقارنة باللدين استفادوا من التلقيح.
انتشار الانفلونزا الموسمية حسب هذه المعطيات سيسهل تفشي كوفيد وزيادة خطورته
وزيادة عوامل الاختطار والوفيات عند المسنين والامراض المزمنة، وزيادة الضغط على الاطقم الطبية والمستشفيات واحتمال انهيار عدد من الأنظمة الصحية، واستنزاف عُدَۜة الكشوفات المخصصة لكوفيد. هده هي مخاطر تلاقي الوباءين على صحة وحياة الناس. وهناك من جهة أخرى تداعيات منتظرة على الاقتصاد وفتح المدارس والحياة الاجتماعية. خلال فصل الصيف كانت حالات الامراض التنفسية المعدية قليلة، وبالتالي كان من السهل تحديد حالات كوفيد المحتملة بفضل الاعراض، ومن تم العزل السريع للحالات المحتملة ومخالطيها في انتظار النتائج، اما في الأسابيع المقبلة فسيصعب على الأطباء ومهنيي الصحة التفريق بين الانفلونزا والامراض التنفسية من جهة، وكوفيد من جهة أخرى. وفي غياب تحليلة سهلة وسريعة وفي المتناول ـهناك سباق علمي وعالمي لتوفيرها ـ تساعد في التفريق بين المَرَضَي۟ن، سيتم عزل اعداد كبيرة من الناس لتجنب تفشي العدوى داخل المجتمع والمعامل والمدارس وأماكن العمل. وادا تم العزل بسبب الشك في كوفيد، وتأخَر الكشف المؤكد، ستطرح إشكالات اغلاق الفصول الدراسية والمدارس والمعامل بشكل مستمر ومتكرر، وهو السيناريو السيء الدي يجب تجنبه: تعطيل المدارس والاقتصاد والحياة الاجتماعية بسبب الشك وليس اليقين. اليقين له مشروعية تفادي الأوضاع الخطيرة التي تفتك بحياة الناس وبالاقتصاد معا، لكن الشك يجب معالجته بالتدابير الطبية. بعض الإجراءات للحد من خطورة تلاقي الوباءين:
  1. يجب تلقيح أكبر عدد ممكن من الفئات الهشة ضد الانفلونزا الموسمية وكدا مهنيي الصحة والمهن المرتبطة والاساسية في المواجهة. من شان ذلك ان يحمي الكثير من الفئات الهشة ضد الإصابات الخطرة والوفيات المحتملة بسبب الانفلونزا. وقد طالبنا نهاية ابريل الماضي في مقال طبي وتدخلات إعلامية السلطات الحكومية المغربية زيادة طلبيات استثنائية من لقاحات الانفلونزا الموسمية. ومن المنتظر ان تشرع فعلا بلادنا في توفير هده اللقاحات داخل الصيدليات بتغطية 100% للمصاريف بالنسبة للمؤمَۜنين، وبالمجان داخل المراكز الصحية.
  2. يجب التأكيد على الإجراءات الحاجزية من كمامات وتباعد وتطهير اليدين وتجنب الازدحام والتجمعات والأماكن المغلقة، ويجب تهويتها. هده الإجراءات تحمي ضد كوفيد وتمنع تفشيه وفي نفس الوقت تحمي ضد الانفلونزا الموسمية وضد كل الامراض المعدية الأخرى. إجراءات بسيطة ونتائج مذهلة في الحفاظ على صحتنا وصحة اسرنا وصحة المجتمع ونشاطه الاقتصادي والاجتماعي والدراسي.
  3. في غياب أو في انتظار تحاليل سريعة للفصل بين كوفيد والامراض الأخرى، يجب تكييف بروتوكولات التشخيص والتكفل بما يضمن توازنا بين فعالية التحكم في وباء كوفيد من جهة، وعدم تعطيل الحياة العامة بسبب الشك وليس اليقين من الإصابة بكوفيد. ونعني تخفيف بروتوكولات العلاج لدى الفئات الشابة والسليمة، وتخفيض مدة العزل الى 10 أيام ثم 7 أيام بالنسبة للمصابين لتسهيل احترام الارشادات مع تقوية الإجراءات الحاجزية.
  4. لتجنب إثقال كاهل المنظومة الصحية بسبب توافد مرضى الإنفلونزا ومرضى كوفيد 19 في نفس الوقت، يمكن التخفيف من التوجه إلى المستشفى وحصره على الحالات التي تعاني من أعراض تنفسية حادة، والتكفل بكل الحالات الباقية بمنازلها او بالمراكز الصحية الخارجية والعيادات الطبية. وهنا ضرورة اشراك الطب العام وطب العائلة وأطباء القطاع الخاص للمساهمة في التكفل الخارجي بهؤلاء المصابين.
  5. يجب التركيز في القادم من الايام على التعريف بأعراض كوفيد والانفلونزا وباقي الامراض التنفسية الاخرى لدى عموم الناس لتسهيل التواصل الطبي وتنظيم الاستشارات الطبية وترشيدها.
الدكتور الطيب حمضي، طبيب وباحث في السياسات والنظم الصحية.

لا يوجد أي تعليق

اترك تعليقا