Fr

المدن الصحية..ميثاق “أوتاوا ” والمملكة المغربية

المدن الصحية..ميثاق “أوتاوا ” والمملكة المغربية

لا يختلف اثنان على أن العصر الذي نعيش فيه، عصر الانفجار المعرفي والديموغرافي ، إذ لم يشهد أي عصر تراكم معارف عن الإنسان بهذا الكم والنوع، ولم يظفر أي عصر بفرصة نشر تلك المعرفة المتصلة بالإنسان بهذا اليسر والسرعة لعصرنا ..هذا النمو  المتسارع هو اساس معظم مشكلاتنا  فهو یضع ضغوطا ثقیلة متزایدة على تأمین الغذاء والماء، وعلى توفیر المساكن المناسبة، ومرافق الصرف الصحي والتخلص من النفایات والفضلات الصلبة، وكذلك على خدمات الرعایة الصحیة ومشكلات كثیرة متعلقة بالنواحي الاقتصادیة والاجتماعیة والبیئیة  خاصة في ظل تركز الثورة في أيدي حفنة من الأشخاص في عالم اليوم، فثمة حافز قليل للمناداة بكوكب أكثر إنصافا في الوقت الذي أصبحت فيه الدول تقاس بأرباحها  ومعادنها وثرواتها دون إعطاء أي قيمة للانسان . ويبدو ذلك جليا في طريقة توزيع اللقاحات المضادة لفيروس كورونا بين الدول والتي وصفتها منظمة العفو الدولية بالغير عادلة .

إن كل ما سبق یعتبر من بين  الأسباب الرئیسة في تزاید أعداد "المنبوذین" اجتماعیاً، ومدمني المخدرات وعصابات الشوارع ولكل واحده من هذه المشكلات تأثیرها السلبي في الصحة بصورة من الصور، وحصیلة هذه الآثار على صحة الانسان واضحه للعیان منها مثلا تزاید خطر الإصابة بالأمراض الساریة بین سكان المدن، ومنها ازدیاد عدد حالات سوء التغذیة والأمراض النفسیة والأمراض التنفسیة المزمنة، وقد أصبحت المدن الیوم مهددة بدمار الانظمه البیئیة والاقتصادیة التي تؤثر على الإنسان اجتماعیا وحيويا  الأمر الذي يجعل تطبيق برنامج المدن الصحية خاصة في الدول الفقيرة والنامية أمرا صعبا للغاية ذلك لأن المدن الصحية  تقوم باستمرار بخلق وتحسين تلك البيئات المادية والاجتماعية وتوسيع هذه الموارد المجتمعية التي تمكن الناس من دعم كل منهما الآخر في أداء جميع وظائف الحياة وتطوير إمكاناتهم واستغلالها الإستغلال الأمثل كما تلزم لعملية محاولة الوصول إلى بيئات مادية واجتماعية أفضل. حيث يمكن لأي مدينة أن تتحول  إلى مدينة صحية إذا التزمت بمبادئ تطوير وصيانة البيئات المادية والاجتماعية التي تدعم وترفع من مستوى الصحة العامة ومستوى معيشة ونوعية الحياة للسكان بالاهتمام  بالصحة واعتبارها قضیة حضریة .

إن مفهوم المدن الصحية يرتكز بالأساس على تعزيز الصحة والوقاية من الأمراض مع الإدراك التام  بأن العوامل الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية في أي مجتمع تتفاعل سويا ويؤثر بعضها على بعض, كما توقن أن الصحة يمكن أن تتحقق من خلال توحيد جهود الأفراد والهيئات داخل المدينة .

وقد بدأ تطبيق برنامج المدن الصحية عندما تم عقد  ميثاق أوتاوا لتعزيز الصحة ، وهو اسم للاتفاقية الدولية التي نظمتها منظمة الصحة العالمية WHO والتي عقدت في مدينة اوتاوا بكندا وذلك في نوفمبر 1986. حيث اطلقت سلسلة من المبادرات بمشاركة العديد منظمات دولية وحكومات الدول والمجتمعات المحلية لتحقيق مبدأ "الصحة للجميع" بحلول عام 2000 وبذلك يتم تعزيز الصحة.

و في المغرب واستنادا على مختصرات المندوبية السامية للتخطيط المغرب عدد 11-13 دجنبر 2019 حول تصورات المغاربة حول الحماية الاجتماعية مساهمة لإثراء النقاش حول النموذج التنموي الجديدلعبد الرحمان ياسين باحث في الاحصاء و الديمغرافيا، صرح عدد من المستجوبين على المستوى الوطني أن 44.3% خدمات ضعيفة ، و 38.5 % خدمات متوسطة في حين اعتبر 17.3 %الخدمات الصحية جيدة (حسب مكان الإقامة). بالنسبة للوسط القروي جاءت النتيجة على الشكل التالي : 42.7% خدمات ضعيفة و خدمات صحية متوسطة بنسبة 37 % في حين اعتبر 20.2% خدمات جيدة ، أما بالنسبة للوسط الحضري صرح 45.2% خدمات ضعيفة و 39.3% خدمات متوسطة و 15.5% خدمات جيدة حسب مكان الإقامة طبعا. وبالتالي يظهر من خلال التصريحات أن أغلب المستجوبين تعتبر جودة الخدمات الصحية ضعيفة أو متوسطة لا تلبي احتياجاتهم و بالرجوع إلى تقرير منتدى الوطنيين حول النموذج التنموي الصادر بتاريخ 04.07.2020 وانطلاقا من استقصاء للرأي قام به حول : أي من القضايا هي الأهم بالنسبة لك في المغرب حاليا ؟ جاءت النتيجة على الشكل التالي : التعليم 72% ، الصحة 66% ، الأمن الوطني 31% و اخيرا التنمية الاقتصادية 22% وتعتبر هاته هي القضايا الأهم والأبرز بالنسبة لمعظم المستقصين ، و بالتالي هذا يؤكد ما نشرته المندوبية السامية للتخطيط حول عدم رضا جودة الخدمات الصحية كما صرح بها المستجوبون وبالتالي تصدر نسبة 66% تبرز بوضوح عدم الرضا عن الخدمات المقدمة.

لقد أصبح من المهم جدا اليوم إعادة  ترتيب الأوراق بخصوص  السياسة الصحية بالمغرب بصفة عامة لأن قطاع الصحة قطاع ينبض بالحيوية وركيزة أساسية من ركائز التنمية الاقتصادية، الأمر الذي يدفعنا للتفكير مليا في إنشاء أقطاب صحية جهوية و إنشاء مستشفيات متنقلة على طول السنة و تشجيع الاستثمار في القطاع الصحي من أجل تطوير جودة خدماته . لأن "المستشفيات الحالية لا يمكنها استيعاب الانفجار الديمغرافي الذي سيحصل مستقبلا" ، كما أن لحجم المدينة علاقة وطيدة مع انتشار العدوى و الأمراض و الأوبئة مستقبلا. وبالتالي تنمية القرى و المراكز الحضرية الأقل كثافة سكانية سيساعد على التحكم و السيطرة على الأوبئة و الأمراض و بالتالي إمكانية عزلها بسهولة ومراقبتها بشكل أفضل  بحسب ما أكده الأستاذ أمين سامي في بحثه حول المدن الصحي في المغرب .

لا يوجد أي تعليق

اترك تعليقا