Fr

“النوستالجيا” …حين تموت الأماني الحلوة في نفوس الكسالى

“النوستالجيا” …حين تموت الأماني الحلوة في نفوس الكسالى
 يحدث أن يكتفي الإنسان بفعل الحنين بوصفه لجوءا إلى الماضي  البعيد ..إنه الحنين إلى زمن الانعتاق مِن فرط الوقوف على قَدَمٍ وساق في عالم  تجد فيه نفسك مرميا بين كل شيء ولا شيء ..بين البداية والنهاية  . إنها النوستالجيا ..رياح متسكعة مشحونة إلى أقصى حد بذكرى يكون فيها الماضي المغطى بالغبار مقلوب الغطاء لا يطاله الضوء وفجأة ينقلب فتنقلب معه المشاعر، ويصبح الانسان كالمستجير من الرمضاء بالنار ليس له مهرب . النوستالجيا حالة نفسية تغنى بها الشعراء والكتاب ووجدت كثير من أصداء القبول والامتنان، وأثارت في النفوس مشاعر مختلطة ما بين السعادة والألم والشجون والحزن وأحيانا الندم ، اليوم سنتحدث عن الذين عصفت بهم الأيام في جوف اليأس فأصبحوا أسرى ل "يا ليت الذي كان ما كان" محاولين الفرار عبثا وإزاحة حطام أحلامهم البريئة، الذين يمدون أيديهم على أمل أن ينتشلهم أحدٌ من بين الركام، ولكن عبثاً، عبثاً يحاولون . في الماضي كانت تعتبر النوستالجيا مرضاً نفسياً في القرن 17 عندما شخّص طبيب سويسري الحالة النفسية لعدد من الجنود ونسب مرضهم العقلي والجسدي لرغبتهم الشديدة وشوقهم للعودة إلى الوطن دون أن يدركوا أن في هذا الحنين سم قاتل وخسارة فادحة كلفتهم صحتهم بل حياتهم بسبب إصابتهم بجلطات دماغية واكتئاب حاد أدى بالبعض منهم  إلى الانتحار.  إنه لمن  المؤكد أن إحياءنا لصيحات الماضي القديم لمجرد إحيائه والدوران في دائرة مفرغة لا ينجينا منه سوى أننا نفقد التعامل مع الحاضر ونهدم المستقبل، والخطر هنا  يكمن في إدمان استرجاع ذكريات الماضي؛ وفي "المبالغة باستخدام الحيل الدفاعية النفسية مثل النكوص (ممارسة سلوكيات لا تتناسب مع العمر) وأحلام اليقظة، والإنكار (مثل: إنكار موت عزيز أو إنكار التعرض لتجربة مريرة). إن اعتماد الفرد على الوسائل النفسية الدفاعية للتخلص من التوتر والألم النفسي وفي البحث عن السعادة بشكل متكرر ودائم، يعيق نموه فيصبح الانسحاب من الحاضر أسلوب حياة، ويصبح الفرد عاجزا عن اتخاذ القرارات الصحيحة كلما واجهته تحديات.".  من المؤسف حقا أن نقبع عبيد الماضي دون أن نعيش الحاضر ونستمتع به بل من غير المنصف في حق أنفسنا أن نبقي باب حياتنا مفتوحا على مزيد من الانتظار دون أن نحرك ساكنا للتغيير، ذلك لأن تعلقنا بالحبال المهترئة للأوهام واعتقادنا أن ما مضى بإمكانه أن يعود دائما ما يدفعنا لتأجيل الحياة إكراما للذكريات، وللتخلف، بكل حماقة، عن موعدنا مع السعادة والتغيير الذي نطمح إليه.  إن  معظم من يعانون من هذا المرض الآن لم يصلوا لذلك العمر الذى يمكن وصفه بالعجز.. فالشعيرات البيضاء التى بدأت فى الظهور على رأسهم لم تتمكن من إخفاء لونه الحقيقى بعد.. فالشباب لم يغادرهم بعد.. ولكنهم يتصرفون وكأنهم قد بلغوا من العمر أرذله.. فالأمر لم يعد هروباً من مسئوليات الواقع.. بقدر ما هو هروب من الواقع نفسه!!. ربما يحاولون بذلك  تجاوز الفرص الضائعة أو التي فشلوا  في الاحتفاظ بها، فلم يمنحوا لأنفسهم  فرصة للتمسك بأحلامهم .  فالنوستالجيا شعور يمكن التحكم فيه، فكلما زادت إنجازاتنا ارتفع مستوى رضانا عن حاضرنا، وكلما رضينا عن حاضرنا عشنا في سعادة دائمة، وبالتالي نضع النوستالجيا على الهامش، فهي تقل ولا تختفي، فلنستدعِها عند الحاجة فقط إلى تذكيرنا بإنجازاتنا، وتكون دفعة قوية للحاضر وللمستقبل ، ذلك لأن تمارين التغيير يبدأ بقطع العلاقة مع مصدر إخفاقاتنا،وكما قالت الكاتبة أحلام مستغانمي " قليل من الحزن مسموح، وبعض البكاء جائز لكن إنقاذ نفسك واجب لأنه أمامك طريق لا بد لك من إكماله وتحتاج إلى صحتك ولياقتك لمواصلته، وإلا فلن تمضي بحمولتك أبعد من نفسك".

لا يوجد أي تعليق

اترك تعليقا